عمر فروخ
148
تاريخ الأدب العربي
تجارة الرقيق التي كان يقوم بها التجّار الايطاليّون خاصّة فيحملون من أقطار أوروبّة نساء وفتيات وغلمانا إلى الشرق للجنود الإفرنج الصليبيين أو للبيع للشرقيّين في أسواق النخاسة . وفي هذا العصر نبعت الألقاب من مثل : عماد الدين ، نور الدين ، صلاح الدين ، شمس الدين ، الخ . كان الناس في أيام الحرب والمعارك يتحاجزون ، أما في أيام الهدن فكانوا يختلطون ويتعاملون . حتّى إن أقواما من الإفرنج الصليبيّين أنفسهم عزفوا عن القتال وتبلّدوا ( عاشوا كما كان يعيش أهل البلاد المسلمون فتركوا أكل الخنزير وشرب الخمر ) ثمّ أسلم بعضهم أيضا « 1 » . ولا ريب في أن أهل البلاد والإفرنج كانوا يجتمعون في ميادين اللّهو أيضا ، فانتقل بذلك عدد من الخصائص الجسمانية والأخلاقية والاجتماعية من الإفرنج إلى أهل البلاد ومن أهل البلاد إلى الإفرنج . وكذلك جاء إلينا مع الإفرنج الصليبيّين عدد من الأمراض . ولا ريب في أن المرض الجنسيّ ( السفلس ) قد جاء إلى بلاد العرب مع الصليبيّين ، أو أن انتشاره قد زاد كثيرا ، فان هذا المرض يعرف عندنا باسم « الفرنجي » . وزاد انتشار العلم في أيام الأيّوبيّين ، فقد أنشأ الأيوبيّون عددا كبيرا من المدارس للعلوم الدينيّة في الأكثر . وكذلك انصرف عدد من العلماء المسلمين إلى دراسة التوراة والإنجيل حتّى يردّوا على اليهود والنصارى . ووصل العلماء المسلمون من ذلك إلى أن النصارى لا يسيرون على خطا المسيح المرسومة في الإنجيل من الزهد وحبّ الخير والدعوة إلى السلم . وقد ظهر أثر ذلك في الأدب . ولا ريب في أن عصر الحروب الصليبية - عصر السلاجقة والأيّوبيّين - كان عصرا زاهرا بالثقافة في المشرق والمغرب ؛ فمن مشاهير رجال الفكر في ذلك الحين في المشرق حجّة الاسلام الغزّالي ( ت 505 ه - 1111 م ) وأخوه أحمد ( ت 517 ه ) ونجم الدين النسفي السمرقندي ( ت 537 ه - 1142 م ) والمتصوّفان ابن الفارض ( ت 632 ه ) وابن عربي ( ت 638 ) والأديب المفكّر عبد اللطيف البغدادي ( ت 629 ه ) وابن الأثير المؤرّخ ( ت 630 ه - 1233 م )
--> ( 1 ) لا يزال في سورية ولبنان أسماء تدل على أن أصحابها من أصل صليبي ، بين النصارى خاصة وبين المسلمين أيضا . وكنت أود أن أذكر عددا من هذه الأسماء عند النصارى وعند المسلمين ، ولكني آثرت ترك ذلك هنا لئلا يتأول نفر من الناس ذكر هذه الأسماء هنا تأولا خارجا عن حقيقته .